سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

175

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

« واليوم‌ترى مئات الملايين من الخلق تدين بدين محمد ، وأكثر مجموع العالم يحترم ويدين بتعاليم الثلاثة : « موسى » و « عيسى » و « محمد » . بعد أن كانت أتباع الثلاثة - شراذم ، بل أفرادا قائل في بدء أمرهم . ولو لم تكن تعاليمهم محض خير وموافقة لروح البشر والإنسانية ، لما أخذ التكاثر من تابعيهم رغم مقاومة المجموع ورغم الاضطهاد والقتل والاستهزاءو النفي والصلب وكل أنواع العذاب - حتى صاروا أمما ، وفتحوا ممالك وصار لأولئك الأفراد والشراذم دول وجانب يخشى وبأس يتقى ومدنية وحضارة لا تفنى . « وهكذا ينبغي أن نعلم أن كل تعليم إذا كان حقا في ذاته - ولو خالف المألوف وكانت أنصاره قلائل - فمن الحكمة أن لا يمتهن لقلة الأشياع والنصراء أو لكثرة جماهير المخالفين والمقاومين له في بادئ الأمر ، بل يجب أن ينظر إليه بعين البحث والنقد الصحيحين . فإن تبيّن منه نور حق وكان الناظر ضعيف الهمة ، لا يجرأ على مناصرته ومظاهرته - فليصبر حتى تكثر الأعوان - ولا يسارع لمجاراة الكفران به . فكم مضطهد للمسيح ، لم يلبث حتى اعتنق دينه وجاهر بتعاليمه ، غير مبال بالقتل وأنواع العذاب . وكم عربي ناهض محمدا ، ثم خاض بعد إيمانه غمار الحروب واستبسل في سبيل دعوته وطاب له الموت حبا بنصرته . « والدعوة لطلب الحرية في فرنسا - وهي دعوة ومطلب حق - كم صادف أهلوها من المحن وكيف استحرّ فيهم القتل وسالت الدماء واليوم فالعالم يقدِّرهم ولسوف يقتدي بهم . وهكذا دعوى الاشتراكية على ما سبق ذكره وبيانه - وإن قلّ نصراؤها اليوم - فلابد أن تسود في العالم يوم يعم فيه العلم الصحيح ، ويعرف الإنسان أنه وأخاه من طين واحد أو نسمة واحدة ، وأن التفاضل إنما يكون بالأنفع من المسعى للمجموع وليس بتاج أو نتاج أو مال يدخره أو كثرة خدم يستعبدها أو جيوش يحشدها وغير ذلك من عمل باطل ومجد زائل وسيرة تبقى معرة لآخر الدهر » . ثم قال : « مخالفة المألوف أمر عظيم وما يحتاجه من الجرأة وعلو الهمة أكبر وأعظم . لا تصدق أن أحدا من البشر يمكنه تخطي المألوف ومخالفته بسهولة ،